الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

اختلال الموازين في عالم عم أمين

اختلال الموازين في عالم عم أمين
بقلم د. هويدا مروان
عالم عم أمين .. عالم فل وزين الزين
ما لم تختل الموازين
الموازين مختلة ومهيش على بعضيها
والدنيا معتلة والعلة فى أراضيها
دي علة أحوالها .. العلة في دناياها
لا بينتهي موالها .. ولا عارفين نواياها
واخدانا على فين.. عالم عم أمين ماشي
وضلامك ياسنين .. غاشي ومطلسم وحزين
الناس ليه مخنوقة .. ليه نخنق بعضينا
دي الدنيا مخلوقة لينا .. ومش ضدينا
ليه الأفراح ولت .. والأيام بكتنا
أصل عينينا احولت .. معرفناش سكتنا
مين هيدلنا مين.. عالم عم أمين
هذه الكلمات الفلسفية الرائعة في مدلولها من إبداع المتميز سيد حجاب وهي كلمات المقدمة لمسلسل عالم عم أمين الذي يصنف كدراما اجتماعية عرض في العام 1983، من تأليف كرم النجار, وإخراج رضا النجار. وأبطاله القديران عبد المنعم مدبولي وأمينة رزق يشاركهم البطولة دلال عبد العزيز ووجدي العربي ونسرين ومجموعة من النجوم.
عم أمين بطل المسلسل يعمل أمينًا لإحدى المكتبات العامة، عاشقًا للقراءة لا تكاد يده تخلو من كتاب يتصفحه بعشق واستمتاع باديان. كانت عبارة( هي الحقيقة إيه) التي يرددها كثيرًا الفلك الذي تدور حوله كل أحداث المسلسل، والتي ينطقها بلهتجه الريفية وهو ما يرسخ لدى المشاهد بصورة غير مباشرة فكرة التمسك بالهوية في أهم تجلياتها والتى تبدو واضحة هنا في اعتزاز عم أمين بلهجته برغم انتقاله للعيش بالمدينة؛ وقد كان من المعتاد وما يزال إذا انتقل الريفي إلى المدينة أو تعامل مع أهلها يستخدم اللهجة القاهرية وذلك في أغلب الأحوال وليس طابعًا عامًا.
يعيش عم أمين مع زوجته(روضة) وأبنائه الأربعة نافع وعفاف وجميل ولمياء، كانت الزوجة تدير أمور المنزل إدارة شبه كاملة،لا يتدخل هو إلا في أضيق الحدود وإن كان تدخله يكون في الصميم، عم أمين يبحث طوال الوقت عن إجابات لأسئلته الفلسفية العميقة من خلال ما يقرأ أو من خلال تعاملاته مع من حوله فيسأل عن المتعة والسعادة و الحقيقة إلي آخر تلك التساؤلات ذات الطابع الفلسفي، بل ويطبق بعض ما توصل إليه على المحيطين فيحاول أن يُخرج أخاه من أسر المال وكنزه المستمر ويدعوه لإسعاد نفسه ومن حوله والاستمتاع بالحياة لكن المحاولة تبوء بالفشل فيعاود السؤال( هي الحقيقة إيه) .
ثم تموت الزوجة متأثرة بمرض أصابها من فرط الضغوط والهموم التي حملتها وحدها لسنوات عديدة؛ وتنقلب حياة عم أمين رأسًا على عقب عندما يجد نفسه في مواجهة مسئوليات لم يتعودها
يحاول لكن الفشل كان حليفه فلا يجد أمامه إلا ابنه نافع الذي ورث شخصية أمه فيلقي بها في حجره متنصلًا من كل ثقل يعوقه عن مواصلة تأملاته في دنيا الناس والبحث عن أسئلته العويصة في بطون الكتب وبين السطور.
القراءة بالنسبة لعم أمين لم تكن محض هواية؛ بل كانت معيارًا للإنسانية والرشاد، فمن لا يقرأ لا يُنتظر منه أي خير، اتخذها معيارًا وحيدًا لتقييم خاطب ابنته. لم يسأله عن مال أو وظيفة بل كان اعتراضه الوحيد الذي أطلقه بكل استنكار ( دا مبيقراش).
ولكن انعزال عم أمين مع كتبه وجلوسه على المقهى وممارسته لهواياته في محاولة للهروب من كل ما يعكر صفوه وتركه المسئولية لنافع ومن قبله أم نافع سحبت البساط من تحت قدميه كأب وفي المقابل احتل نافع هذا الدور لكنه خسر نفسه ومستقبله جراء تضحيته للحفاظ على سلامة واستقرار الأسرة، نسى نفسه وعاش دورًا لم يكن دوره، ولما انقلبت الموازين في عالم عم أمين اختفى الجمال وتورات السكينة وعم الحزن فالجمال مشروط بالعدل والتوازن. فقدَ عم أمين سلامه النفسي وضل طريق السعادة التي طالما بحث عنها. وشاركه نافع نفس المصير.
وعلى النقيض من شخصية نافع كانت شخصية الابن الأوسط جميل الذي يمثل نموذج التوازن؛ جميل عاش دوره كابن بصورته الصحيحة ساعد وتعاون كفرد من أفراد الأسرة في حدود دوره المنوط به في مراحل حياته لم يكن منعزلًا عن هموم أسرته؛ لكن في نفس الوقت انشغل بدراسته وبحلمه أن يكون مخترعًا وسعي بكل طاقته لتحقيق هذا الحلم، ولما حدث المراد وتحقق أمله ساهم بشكل عملي في حل مشكلة مهمة من مشكلات أسرته واحترمه الجميع وقدر فعله، جميل أسعد نفسه فاستطاع إسعاد الآخرين، أما نافع فضَل سعادة الآخرين على سعادته فكانت النهاية فقدانه القدرة على الاستمرار على تقديم العون وخسر نفسه.
أعتقد إن اختيار الاسمين – نافع وجميل_ لهما مغزى فلسفي أيضًا؛ نافع هو مصدر لتحقيق أهداف ومصالح غيره، أما جميل المشتق من الجمال والذي يتجسد حيثما وجد العدل والتوازن.
وكما تقول كلمات المقدمة ” عالم عم أمين .. فل وزين الزين مالم تختل الموازين”، وهذا هو بيت القصيد؛ اختلال الموازين في كل العلاقات والتعاملات هو ما يحول العالم إلى صراع دائم وهم مطبق، لأنه يخالف فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلكل دوره في الحياة ورسالته التي إن عرفها وبذل جهده لأدائها سعد في الدارين، التطرف والإسراف واستبدال الأدوار صور متنوعة لاختلال الموازين يحول العلاقات لخناجر مسمومة.

وكما تقول كلمات الأغنية ” الدنيا مخلوقة لينا ومش ضدينا” وهو ما يؤكد أن الحياة ليست عدوًا للإنسان ولم يأت الله تعالى بنا فيها ليعذبنا، ولكن تدخل الإنسان ومحاولته الخروج على موازينها التى وضعها الله بالقسط يحولها إلى عدوٍ لدود.
فلننظر إلى ما حدث على مستوى البيئة مثلًا من تدخلات البشر وما نتج عنه من كوارث انتشرت بسببها الأمراض ودفع الإنسان الثمن من صحته واستقراره، وأصبحنا نبحث عن منتجات ومصنوعات بل وتقنيات صديقة للبيئة في محاولة لاستعادة الراحة المفقودة بعد أن أصبحت “الموازين مختلة وماهيش على بعضيها والدنيا معتلة والعلة في أراضيها” نعم اختلت الموازين بسبب علة واحدة تسكن نفس الإنسان والمجتمع هي التطرف في كل شىء ” ودي علة أحوالها .. العلة في دناياها/ لا بينتهي موالها .. ولا عارفين نواياها”.
وفي النهاية أي الدورين تحب أن تلعب في قصة الحياة : نافع أم جميل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى